ابن الجوزي

57

أخبار الظراف والمتماجنين

ما أعرف لنفسي حالا أتفرد بها توجب كوني مقدمة على غيري في حدود الظرف . فقال الزوج : قد سبقتني بجميع حدود الظرف بهذا القول ، وأراها قد حرمت علي لكونها أظرف . فقال القاضي : كذا عندي الحكم . وعن عمه قال : حكى لي أبو السري القاري ، قال : قال لي أبو محمد ابن معروف تزوجت امرأة فلما حصلت في داري طلبت الخروج فقلت لعجوز : سليها ، فسألتها . فقالت : كنت أظن أنه ظريف وإذا به عريف « 1 » ، رأيته يقسم الخبز على جواريه ، وهو حاضر لئلّا يفوته رغيف . قال ابن القصاب « 2 » الصوفي : دخلنا جماعة إلى المارستان « 3 » فرأينا فيه فتى مصابا فولعنا به ، وأتعبناه فصاح : انظروا إلى شعور مطرزة ، وأجساد معطرة ، قد جعلوا الولع بضاعة ، والسخف صناعة ، وجانبوا العلم رأسا . فقلنا له : أتحسن العلم ؟ قال : أي واللّه إني لأحسن علما جما . قلنا : من السخي ؟ قال : الذي رزق أمثالكم وأنتم لا تساوون قوت يوم فضحكنا منه ، وقلنا : من أقل الناس شكرا ؟ قال : من عوفي من بلية ثم رآها في غيره فترك الاعتبار والشكر إلى الطيبة واللهو . فقال له قائل : ما الظرف ؟ فقال : خلاف ما أنتم عليه . * * *

--> ( 1 ) العريف : هو القيّم بأمر القوم . ( 2 ) ابن القصاب الصوفي : وزير ، تولى ديوان الإنشاء في بغداد ، وتوفي سنة 592 . . ( 3 ) المارستان : المستشفى ( فارسية معربة ) .